لماذا ينتحر الشعراء مبكرين والفلاسفة في سن متقدمة

img

*أحمد رجب 
 

 ضمن محور “كاتب وكتاب” بمعرض القاهرة الدولي للكتاب ناقش عدد من الباحثين كتاب “الدخان واللهب.. عن الإبداع والاضطراب النفسي” لشاكر عبدالحميد. وقد أدار الندوة الإعلامي ضياء الدين حامد، وتحدث فيها، بالإضافة إلى المؤلف، كل من الشاعر والمترجم وأستاذ الطب النفسي، عبدالمقصود عبدالكريم، والكاتب والطبيب النفسي إيهاب الخراط.

في البداية أشار مقدم الندوة إلى أن شاكر عبدالحميد يبحث في أحدث كتبه “الدخان واللهب” العلاقة بين الإبداع والاضطراب النفسي، في محاولة لفهم العوامل التي تدفع بعض المبدعين إلى الوقوع أسرى الاضطراب العقلي.

والكتاب، الصادر مؤخرا عن دار العين بالقاهرة، يأتي كمحاولة للاقتراب من هذه الحالة المرضية الخطيرة التي مرّ بها رجال ونساء من أصحاب القدرات الخاصة والمواهب في شتى مجالات الإبداع الأدبي والفني.

وأشار إلى تفسير المؤلف للعنوان بأن الدخان يرتبط بالخفة والهدوء وحالات الانطواء والصمت والكآبة والتأمل وغياب الحيوية والحزن، وكذلك بغياب الوعي من حيث ارتباطه بالمخدرات. بينما قد يرتبط اللهب بالتوهج والحيوية والهوس والانبساطية والحركة والبهجة والفرح.

حالات فردية

 

قال عبدالمقصود عبدالكريم في مداخلته إن الإبداع والاضطراب النفسي كلاهما حالات فردية، ولا يمكن التعميم فيهما حتى لو كانت بينهما نقاط التقاء، أبرزها أنهما بلا سبب، وكلاهما يحتاج إلى عوامل كثيرة لكي يصل الشخص إلى الاضطراب النفسي أو الإبداع، وأكد على عدم وجود مرض يحول المصاب به إلى مبدع وفنان، فالمبدع في الأصل إنسان معرض للأمراض.

وأضاف عبدالكريم “بصفتي شاعرا ومترجما، لم أعتمد فقط على الأبحاث العلمية، ولكن بحثت أيضا في الكتب، منها الكتاب المقدس وقصيدة المتنبي في رثاء جدته، فوجدته يبكيها بالرثاء وذلك هو البعد الاكتئابي، ويفتخر بنفسه، وهذا هو البعد الهوسي”.

 وضرب مثلا بقصة وردت في كتاب “الأدب والجنون”، عن جيمس جويس وابنته، التي شخصها الطبيب بالفصام، فسأله والدها عن السبب، فرد الطبيب بأنه عرف ذلك من طريقة كلامها، فقال جويس أنا أكتب بنفس طريقتها. وهذا معناه أن المبدع يتصرف كمريض نفسي، ولكنه يستطيع بإبداعه أن ينقذ نفسه من المرض النفسي.

 وقال إيهاب الخراط إن كتاب الدخان واللهب قدم نماذج عملية عن الاضطراب النفسي للشخصيات المبدعة حول العالم، موضحا أن أسلوب الدكتور شاكر عبدالحميد رشيق ومميز، يجمع بين الدقة البحثية والبلاغة الأدبية، حيث تسلط الدراسة الضوء على عدد من المبدعين الذين عانوا من أمراض نفسية، أبرزها الاكتئاب والهوس العقلي ورهاب الموت “الخوف المرضي منه”.

كذلك أشار الخراط إلى أن الكتاب يستعيد محاولة انتحار الموسيقار الأشهر بيتهوفن وإصابة تشايكوفسكي بالهوس، ومعاناة شوبان من اكتئاب لازمه طوال حياته. ويذهب إلى أن الفلاسفة يقبلون على الانتحار في سن متقدمة، على عكس الشعراء الذين ينتحرون في سن مبكرة، ما جعل الكاتب يرجح فرضية أن الإقدام على الانتحار نتيجة نقص هرمون الدوبامين المسبب للبهجة والسعادة، نافيا أي علاقة بين الإبداع والانتحار. وينفي الكتاب كذلك العلاقة المزعومة عن ارتباط الإبداع بتعاطي المخدرات.

كما يؤكد على أنَّ الإبداع يحتاج إلى قدر من المرونة العقلية والمثابرة التي تدمرها المخدرات، كما يستعرض الكتاب السيرة الإبداعية لفان جوخ، الذي أنتج مشروعه الإبداعي في نحو عشر سنوات فقط.

ثمن العبقرية

وفي ختام الندوة قال شاكر عبدالحميد إن عنوان الكتاب مستلهم من إشارات وردت في كتاب ميشيل فوكو عن تاريخ الجنون؛ استعرض خلالها جهود طبيب وعالم أعصاب بريطاني هو توماس ويليس كان يعيش خلال القرن السابع عشر وكان يشبّه الاكتئاب بالدخان والهوس بالنار، فالاكتئاب يهبط على الروح فيخنقها كالدخان أما الهوس فيطلق طاقاتها أحيانا على نحو يتجاوز الحدود.

 وأوضح عبدالحميد أن كتابه هذا ليس أول إصداراته التي تحدثت عن الإبداع والاضطراب النفسي، فقد أصدر سابقا كتاب “الأدب والجنون”، الذي استعرض فيه بعض أعمال شكسبير التي يوجد بها تصوير من الاضطراب النفسي، وركز فيه على الأعمال الإبداعية، أما كتابه الثاني فيركز على المبدعين أنفسهم، وبالأخص فان جوخ، لأنه كان يجمع بين الإبداع والاضطراب، كما يبدو في رسائله، مشيرا إلى أنه خصص جزءا من كتابه عن اضطرابات فان جوخ، وأمراضه.

وأشار إلى أن الدخان في عنوان الكتاب يرمز إلى الاكتئاب، بينما يشير اللهب إلى الهوس، موضحا أن الكتاب يهتم بالمبدعين الذين أصيبوا بالاضطرابات النفسية ومنهم فان جوخ الذي جمع بين الاضطراب النفسي والإبداع، حيث يوجد فصل كبير يتحدث عنه وعن اضطرابه الذي لم يستطع أحد تشخيصه.

واستعرض المؤلف بعض المحاور المهمة في كتابه، كاشفا عن سبب اختياره عنوان الكتاب “الدخان واللهب”، لافتا إلى أنه أخذه من عنوان “إشارات تاريخ الجنون”.

والكتاب يوضح أن الاضطرابات النفسية لا تقتصر على المؤلفين الموسيقيين فقط، لأن الباحث أرنولد لودفيج وجد أن أعلى معدلات الاضطراب الانفعالي كانت موجودة لدى الشعراء بنسبة 87 بالمئة من العينة التي فحصها، وجاء بعدهم الروائيون وكتاب القصة ثم الممثلون، فهناك ثمن للعبقرية يدفعه المبدع، وأن الشعراء هم الأكثر قابلية للانتحار مقارنة بغيرهم من المبدعين بنسبة 26 بالمئة كما أن الممثلين “الأدائيين” يأتون في المرتبة الثانية بنسبة 23 بالمئة في حالات الانتحار، وأن الموسيقيين حلوا في المرتبة الثالثة، وكان مبدعو الفنون التشكيلية هم الأقل عرضة للانتحار.

*المصدر: صحيفة العرب.

 

 

مقالات ذات صلة

No article found