إدوار الخراط نسيج وحده

img

*إبراهيم عبد المجيد 

 

كثيرا ما أجد نفسي في حاجة روحية لتذكر الأساتذة الذين تعلمت منهم. لست من ناكري الفضل، أولئك الذين يرون في أنفسهم نهاية العالم يحين، تصبح لهم قيمة أدبية أو فنية. ربما تكون جملة واحدة قالها لي كاتب وتسببت في فرحتي يوما، سببا أن أذكره بالخير، مهما اختلفنا، فما بالك بمن قرأني وتابعني وناقشني ضاحكا سعيدا مثل إدوار الخراط.
بدأت علاقتي به ثقافيا من بعيد، وأنا في الإسكندرية أقرأ له مثل غيره، وأرى فيه كاتبا، نسيجَ وحده في البناء واللغة وإيقاعها، وحفاوته بالمكان ومفرداته الصغيرة. كنت أعرف أن هناك تيارا في أوروبا هو الواقعية الجديدة، جعل للمكان البطولة والتجسيد، فهما أبقى من البشر، وكنت أرى إدوار من بينهم إلى حد كبير، رغم أن ناقدا كتب عن إدوار الخراط لم يشر إلى هذا. لكن إدوار لم يجعل المكان مستقلا فقط عن المشاعر، أضاف إليه أحاسيس ومشاعر تلف حوله، وروحا قبطية مصرية صميمية وأساطير فرعونية ويونانية. كان مجددا كبيرا سبق جيل الستينيات وفتح الباب لهم هو وكتّاب مثل محمد حافظ رجب ويوسف الشاروني ويوسف إدريس، رغم عدم ذكر من سموا أنفسهم بالستينيات لذلك، إلا نادرا. كانت معرفتي البعيدة به وراء خطابين أرسلتهما إليه في القاهرة، بعد أن قرأت له عملا أو عملين، مبديا إعجابي الكبير. حدث معه ما لم يحدث مع يوسف إدريس، حين قرأت يوسف إدريس بعد أن نشرت أولى قصصي القصيرة، سيطر عليّ تماما، فكنت كلما كتبت قصة أراه حاضرا فيها فتوقفت عن الكتابة سنة أو أكثر، لأتخلص من تأثيره الكبير. مع إدوار الخراط، لم أتوقف عن الكتابة لأتخلص من تأثيره. كتبت قصة قصيرة بعنوان «شمس الظهيرة» نشرتها مجلة «الطليعة» في ما أذكرعام 1974 في عدد خاص عمن سموهم كتاب السبعينيات، وما إن نشرتها حتى قلت ماذا تفعل يا إبراهيم! ما هذا الغموض اللغوي الذي يكتنف القصة، ورغم أن هذه القصة لاقت استحسانا من كثيرين من الكتاب، إلا أنني وجدت أن الأمر صعب، فالأدب في النهاية أفق مفتوح للقراء من الأفضل أن لا ينغلق على عدد قليل. بسرعة انتبهت إلى ما أكتب ولم أعد أبحث عن عبارات غامضة، أو كلمات تحتاج إلى معاجم. لم يفعل إدوار الخراط ذلك في كل أعماله، فرواية قصيرة مثل «محطة السكة الحديد» أو «ترابها زعفران» ليستا من الصعوبة التي عليها رواية «رامة والتنين» أو «الزمن الآخر» أو «يقين العطش» ثلاثيته الفريدة، هذه الثلاثية كانت نحتا لغويا يتحدي به إدوار تراث الحكي الشائع. قابلته بعد ذلك في القاهرة، وأخذني إلى بيته وصرت حريصا على زيارته حتى استقر بي المقام في القاهرة، فكان لي وعدد من الشعراء والكتاب لقاء متكرر كثيرا معه في البيت.

لم يكن مهما أن نقرأ في اللقاء أعمالنا، وإن كان هو يحب أن يستمع، فكان الشعراء يقرأون جديدهم. كانت ابتسامة إدوار الخراط تحيط بنا وتمشي معنا، بعد أن نترك البيت. لم يكن يقول رأيا سيئا في كاتب سيئ، لكن إشارة من عينه أو غمزة، كنا نعرف بها أنه لا يحب كتاباته. لم أخفِ عنه أنني رغم حبي لطريقته في الكتابة إلا أني استطعت أن أهرب من تأثيرها، فكان يضحك. جمع بيني وبينه السفر إلى باريس وغيرها، فكان نعم المرشد والصديق، ومشينا معا علي نهر السين مسافات طويلة، لم يبد فيها تعبا هو الأكبر مني بعشرين سنة. كانت باريس تبث فيه روح الشباب. ويوما ما في إحدى ندوات معهد العالم العربي، هناك سألتني سيدة لا أذكر هل كانت فرنسية أم عربية قائلة «إدوار الخراط من الإسكندرية وأنت منها، وهو أكبر منك سنا، فهل تأثرت بكتاباته عن المدينة»، كنت أجلس جواره على المنصة، فابتسمت وقلت ضاحكا «حضرت مرة ندوة أيام الشباب لأنيس منصور فسأله شخص كيف كنت تجلس مع العقاد في لقاءاته في بيته بالمثقفين ولم تتأثر بأسلوبه في الكتابة؟ فقال أنيس منصور في مصر عندنا مثل يقول كيف يا فلان تعلمت الأدب؟ فرد قائلا من واحد قليل الأدب، كل ما يعمل حاجة ما عملهاش»، اندهش من في القاعة وضحك كثيرون منهم، وأوضحت أن المعنى ليس أخلاقيا، كما يبدو من المثل، لكن المعنى أدبي، وبصرف النظر عن لغة أنيس منصور ولغة العقاد وحالتنا، فإدوار الخراط ناحت عظيم في اللغة، يجعل أعماله متاحة لفئة خاصة من القراء، باستثناء راوية أو اثنتين. إدوار يعلمنا بناء الرواية، لكنني استخدم مواد أخرى في البناء. طبعا إدور الخراط لم يعلّق كعاته النبيلة، واكتفى بالابتسام، وبعد أن تركنا الندوة قال لي ضاحكا «حلوة».
لم يكن إدوار الخراط عندي مجرد كاتب عظيم للرواية والقصة، لكنه كان مع الحداثة دائما منذ أيام شبابه، فكتب قصيدة النثر ورسم لوحات، وكان أول من عرفنا بشاعر النثر منير رمزي، الذي انتحر في الإسكندرية عام 1942، إذ كانا يدرسان معا في الجامعة وأعاده إدوار إلى الحياة، كما أنه كان على علاقة ودراية بكثير من الفنانين التشكيليين المجددين في مصر وخارجها مثل أحمد مرسي، وقد أصدرا معا مجلة «غاليري 68» بعد الهزيمة. كان صدره وروحه يتسعان للاختلاف، فهو ابن المرحلة الليبرالية، ورغم مشاركته في الحركة الوطنيه في الأربعينيات، وسجنه مع اليساريين لم يكن منغلقا مثل البعض على أفكار واحدة. كان أكثر من كتب عن جيل الستينيات رغم أنه المبشر الأسبق بالتجديد، ولم يشعر أبدا بالغيرة من السياج، الذي بنوه حول أنفسهم باعتبارهم بداية التجديد وأدخلوا فيه كاتبا أو اثنين لا معنى لكتاباتهم أصلا. لم يكتب عن عمل سيئ. وحين رأى كتّاب الستينيات يغلقون السياج كتب عن كتاب السبعينيات، وأصدر كتابا بنماذج من قصصهم، وكان هذا الكتاب تدشينا لهم في الحياة الأدبية، كما سبق وكانت «غاليري 68» تدشينا لكتّاب الستينيات.
ورغم أنني لا أؤمن بجيل كل عشر سنوات، إلا أن ذلك كان اهتماما بغير أصحاب السياج الكاذب، الذي كان من الواجب أن يتسع، لأنه بعد هزيمة 1967 لم تحدث في مصر تغيرات كبرى. حدثت بعد ذلك مع ثورة يناير/كانون الثاني 2011.
المهم أن إدوار وضعنا في الواجهة واستراح من يتصورون أنهم آخر العالم. لم يتوقف إدوار عند كتابة الرواية والقصة والشعر والرسم فقط، بل ترجم الكثير من الكتب مؤكدا على مقولة ازدواجية الرؤية وعبقرية التنقل بين الفنون.
في معرض الكتاب الأخير كانت هناك ندوة عن إدوار الخراط، للأسف لم أعرف بها، كما أن ذهابي إلى المعرض مرتين أرهقني لبعد المسافة عن بيتي، ومن ثم أهــدي هذا المقال لمن أقاموا الندوة، حتى لو بعد انتهائها، وأشــــعر بأن إدوار الذي أحببته جدا يشعر بي الآن فما زالت ابتسامته معي في بيته وفي الندوات وفي باريس والمغرب في الطرقات.

*المصدر: القدس العربي

مقالات ذات صلة

No article found